المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رحلة الى كربلاء


سف الصحراء ينة زيدان
05-13-2007, 02:31 PM
الجــــزء الاول:

إنها ليله التاسع من مارس من عام 2003. هذه الليله العظيمة في تاريخ البشريه والعراقيين خاصه,الليله التي سبقت سقوط بغداد,بدا القصف عنيفا على حي صغير في مدينه بغداد وعندما طلع الصبح بدا الحي كأرضٍ مهجورة, كل شيء محي عن وجهه, كل شيء دمر, لم يبق غير الغبار الكثيف الذي غطى كل شيء.
التاسع من مارس 2003 في هذا اليوم وضعت ما تسمى بحرب الحواسم اوزارها ودخل الجيش الامريكي بغداد منتصرين , واحتفل الجنود في كل حي من احياء بغداد ومنه ذك الحي البائس الذي تعرض للقصف في الليله السابقه. بدا الجنود الامريكيين قرب حافلتهم فر حين بالنصر يشربون نخب انتصارهم في حين انقشع الغبار الناتج من القصف وظهرت فتاة في عمر الربيع وقد خنقها الغبار فبدأت بالسعال وملامح وجهها الصغير قد اختفت خلف رماد الحرب الذي غطى وجهها بل غطاها هي نفسها بالكامل فبدت وكانها قطعه فحم تقترب من الجند بترنح شيئا فشيئا.
خفتت أصوات ضحكات الجند التي تعالت في الفضاء ورنت اعينهم نحو ذلك السواد القادم من بعيد الذي يقترب منهم وعندما وصل اليهم تبين لهم بانها تلك الفتاه البائسه وقد توقفت وجسدها المنهك يرتجف وانسابت الكلمات متهدجة من فمها الصغير:
_ لماذا لا يعم السلام هذا الكوكب المنهك بالحروب؟؟؟
نظر الجند اليها باستغراب:
_ عذراً؟
اجابت والدموع تنهمر من عينيها وقد بدتا وكانهما قطع من الجمر من شده احمرارهما:
_ قلت لماذا لا يعم السلام هذا الكوكب المنهك بالحروب؟! متى سينتزع الشر والاحقاد من قلوب البشر؟؟ كُلْ يجري وراء أطماعه ومصالحه ونحن ندفع الثمن غالياً وغالياً جداً.
رد جندي عليها بشفقه:
_ ماذا تعنين؟ نحن اتينا لمنحكم الحريه و....
قاطعته بضحكه ساخره اطلقتها للعنان بقوة ثم قالت وهي لا تزال تضحك:
_ الحريه؟؟!!!...الحريه! أي حريه هذه التي تتحدث عنها؟ هل هي الحريه التي رأيناها فوق رؤوس الصواريخ والدبابات التي تقصف الاحياء السكنيه وتقتل الابرياء ؟
" أطرق الجندي برأسه وقد عقد لسانه عن الكلام."
أردفت صارخه باكيه:
_ أجبني, أجيبوني, لماذا سكتم الان؟ لقد قتلتم عائلتي بأكملها لم تبقوا لي حتى فرداً واحداً! أبي أمي إخوتي, كلهم ذهبوا ضحيه قصفكم الجتئر ليله البارحه.
خارت بقيه قواها فسقطت جاثيه على الارض وهي تصرخ:
_ لماذا؟؟؟؟؟ لماذا؟؟؟؟؟.... من طلب منكم الحريه؟
هب بعض الجند إليها وأمسكوها من يدها قائلين:
_ أنت بحاجه الى للعنايه النفسيه والصحيه.
صرخت بهم:
_ لا تلمسوني, أتركوني أيها القتله.
فتركوها بسرعه وأسرع واحد منهم بحبه مهديء وكأس ماء وناولها اياه قائلا:
_ إهدأي,,إهدأي, خذي تناولي هذه.
تناولتها على مضض وسرعان ما أحست بالنعاس. لم تجد مكانا تأوي إليه فقد دمرت القريه كلياً فاستندت على بقايا جدار وغفا عينها.
استيقضت الفتاة البائسه وأحست بالهدوء والراحة قليلا بعد أن انهارت أعصابها فاتجهت الى حافله الجنود الامريكان وتنحنحت:
_ احم ..
فاستداروا وقال قائدهم:
_اوه.. لقد استيقضت ..هل تشعرين بالراحه الان؟
اجابت ممتعضه:
_ وأين الراحه والمحتل في بلدي؟!
قال لها متجاهلا ما قالته:
_ أليس لديك مكان تأوين إليه؟ أيه أقارب؟..جيران؟..أو أي أحدٍ تعرفينه؟
امتلأت عيناها الحزينتين بالدموع وأجابت وقد خنقتها العبره:
_وهل أبقيتم على أحد؟
ثم سكتت وكأنها تذكرت شيئاً وقالت وهي لا تزال مخنوقه بعبرتها:
_ لقد قتلتم أهلي وأقربائي ودمرتم منزلي وأحرقتم كتبي والذي تدعون بأني حصلت عليه في المقابل لا اعترف به. الان اريد منكم خدمة لن ترد لي ولو جزء بسيط مما سلبتموني اياه.
القائد الامريكي:
_ ماذا تريدين؟
قالت:
_ لي جدَ يسكن كربلاء فهلا خصصت لي شخص وحافله ليقلني اليه؟
القائد وقد تنهد طويلا:
_ سأطلب ذلك من الاداره وسأرى ان وافقوا على ذلك.
وأدبر ليجري اتصالا أما هي فقد رنت عينها الى أرض بدت مهجورة والحزن يعتصر قلبها الصغير, إنه منزلها فيما سبق وأخذت الذكريات تتطاير اما عينها..ذكرياتها مع أهلها في هذا البيت.
قطع حبل ذكرياتها صوت القائد الامريكي وهو يقول:
_ لقد وافقوا أن أرسل معك أحد جنودي ولكن بعد عناء طويل والسياره في طريقها الى هنا , ستصل بعد بضع دقائق.
واللتفت الى جنوده لينتقي واحدا منهم ثم قال:
_مارك..أنت سترافقها.
أجاب هذا المارك:
_حاضر سيدي.
وفي هذه الدقائق في انتظار السياره التي أصبحت في عين الفتاه سنون طوال أعادت بنظرها الى تلك البقعه مرة أخرى وتراقصت الذكريات أمام عينيها من جديد.
وصلت المركبه فقام الجندي مارك وقد تحمل بالزاد والحاجيات الكثيره وأخذ يودع أصحابه والفتاه تنظر اليه وتقول لنفسها:
_ لم يتركوني حتى أودعهم.
رمقها بنظره ثم صعد السياره فلحقت به ولكن القائد استوقفها:
_لحظة.
فاستدارت..
قال:
_لم تخبرينا اسمك؟
قالت:
_ اسمي زينب.
قال مجاملا:
_اسم جميل.
فردت:
_ومعناه اجمل.
واستدارت لتركب الحافله فناداها من جديد ولكن هذه المره ناداها باسمها:
_زينب.
قالت:
_ماذا؟
القائد:
_ نصيحه مني لا تتصرفي مع جنود أمريكان أو غيرهم بمثل ما تصرفتي معنا فإنهم لن يرحموك.
قالت:
_ وهل رحمتني أنت؟
القائد:
_أنا ومجموعتي ولا أريد أن أتفاخر ولكن نحن نتعامل مع العراقيين وكأننا في خدمتهم أما الباقي فلا. الذين مثلنا في هذا الوقت منهم قليل بل نادر.
ابتسمت ابتسامه سخريه وصعدت في المقعد الخلفي للسياره.
بدأت رحلتها نحو المجهول, اتجهت لملاقاه جدها ولكن هل حقاً ستلتقيه؟

الجـــزء الـثـانــي:

اسندت زينب رأسها للنافذه وأخذت تبكي بصمت, انها تظهر القوه من الخارج ولكن قلبها يتمزق حزنا في الداخل والجندي الامريكي يسترق النظر عليها بين الفينه والاخرى بشفقه وأراد أن يفتح باباً للحديث فقال:
_ يبدو أنها ستكون رحله طويله بسبب الاوضاع المضطربه, ربما سنأخذ يوما أو يومين لنصل الى كربلاء.
ولكن زينب لم تنبس ببنت شفه.
فاستدار ليتأكد من أنها صاحيه عندما لم يسمع منها جوابا فرآها محلقه بأفكارها, جسدها في السياره ولكن عقلها يرفرف في مكان ما , فآثر الصمت.
أخذت الشمس تغطس خلف البيوت معلنه بدء رحيلها وسرعان ما اختفت وبدء الظلام يزحف شيئا فشيئا فقالت زينب:
_اوقف السياره لو سمحت.
قال:
_ماذا؟ ولكن هذه المنطقه مظلمه لا يوجد فيها أحد!
قالت:
_مم أنت خائف؟
أجاب بسرعه:
_لست خائفا ولكن لماذا تريدين أن أتوقف؟
قالت:
_ أريد أن أصلي.
قال:
_كما تريدين , وأوقف السياره وأشعل مصباحا كان يحمله.
قالت له:
_ أريد ماءاً لأتوضأ.
فأخرج لها ماء وسكبه لها في وعاء فأخذته وابتعدت قليلا عنه وبدأت بالوضوء , غسلت يدها ثم تمضمضت بالماء ثلاث مرات واستنشقته ثلاث مرات ومسحت وجهها ورسغيها. كل هذا والجندي مارك يحاول أن يسترق النظر وهو متعجب مما تفعله وعندما وصلت الى مسح الرأس إلتفتت اليه قائله:
_هل يمكنك أن تكف عن التحديق بي ولو لدقيقة ريثما أنتهي؟
قال وقد احمرت وجنتاه من الخجل:
_نعم آسف
وأكملت وضوءها ثم أقبلت بالوعاء وناولته اياه قائله:
_أين تكون جهة الجنوب؟
مارك:
_لحظة من فضلك.
وأخذ يبحث في كومة الأغراض التي يحملها بارتباك ثم أخرج بوصله ونظر إليها مطولا ثم قال وهو يشير بإصبعه الى مكان ما:
_هنا.
توجهت زينب الى الجهة التي اشار إليها ووقفت بسكون و وقار وأخذت تتمتم بكلمات لم يعرف الجندي الأمريكي معناها ولكنها إنسابت الى اعماقه كشعاع نور وأرجفت قلبه قليلا , الله أكبر ... الله أكبر ... حي على الصلاة ... حي على الفلاح. ثم اخذت تقرأ آيات من الذكر الحكيم:
" بسم الله الرحمن الرحيم() الحمد لله رب العالمين() الرحمن الرحيم() ...."
وما زال الجندي ينظر إليها بإستغراب وهو مستند على سيارته وهي قد حلقت الى مكانٍ بعيد, جسدها هنا ولكن روحها ترفرف عالياً. أراد أن يتأكد مما كان يفكر فيه فناداها:
_زينب...زينب.
ولكنها لم تجبه أبداً بل لم تشعر به يناديها.
ركعت..وعادت تتمتم كلماتها التي لم يعرف معناها ذلك الجندي بل ولم يستطع سمعها رغم محاولته للإصغاء جيداً ولكنه لم يسمع شيئاً فقط يرى شفاهها تتحرك.
قامت من ركوعها فاعتدل الجندي لكي لا تلاحظ انه يراقبها ولكنها ما لبثت أن هوت على الارض ساجدة فزاد من استغراب مارك وسجدت طويلاً ثم قامت من سجودها ووقفت .
قرأت الآيات نفسها ثم رفعت كفيها نحو السماء والتمتمات لا تنتهي مهما تغيرت الحركات وهكذا استمرت بين وقوف وركوع وسجود والجندي ينظر باستغراب الى ان انهت صلاتها فضرب بيدها على رجلها:
_ الله اكبر..الله اكبر..لا اله الا الله..لا اله الا الله.
أخذت تسبح لله عز وجل على أصابع يدها وتتمتم:
_سبحان الله ... سبحان الله ... الحمد لله... الحمد لله... الله اكبر ... الله أكبر.
رفعت زينب كفيها عاليا وعينيها ترنوان للسماء وقد سبحتا في بحر من الدموع وناشدت باريها قائله بصوت حزين:
_يارب.. أدعوك وأتوسل إليك بحق أحب الخلق إليك سيدنا ومولانا أبي القاسم محمد (ص) أن تغفر لي ولوالدي وإخوتي وإخواني وأن تسهل عليّ طريقي لملاقاة جدي يا كريم يا منان.
وتوقفت عن الكلام,, ولكنها لم تبعد طرفها عن السماء وأنزلت يدها مضمومه ثم قبلتها وكأنها قد إلتقطت شيئاً من السماء.
ارتعدت أوصال هذا المارك لهذا الموقف وزينب قامت من مكانها متجهة للسياره وعندما وصلت بالقرب من مارك رمقته بنظره ثم صعدت السياره فلحق بها بسرعه وأدار المحرك وأستأنف الاثنان رحلتهما الى أرض الأحزان ( كربلاء).

الجـــــزء الثـالــــث:

القمر احتجب وراء الغيوم ,, ومارك يقود سيارته وفكره مشدود لكيفيه صلاة زينب , يحدث نفسه قائلاً:
_ أنا لم ارتعد من أقوى الاسلحه المستخدمه في الحروب وهذه الفتاه الصغيره أرعبتني بحركات وكلمات لم أفهم حتى معناها!!!
وحول نظره الى زينب القابعه في الكرسي الخلفي وهي مسندة رأسها للنافذه تراقب القمر الذي يظهر تاره ويظهر تارة أخرى. واستأنف حديثه مع نفسه:
_ يا إلهي ... يا له من دين عظيم!!!
وفجأة حدث إنفجار قوي إهتزت له الارض وبدد الظلام بأضواء الحريق فتوقف مارك وترجل من السياره ليرى ما حدث ولكنه سرعان ما عاد إليها وأدار المحرك ليبعد الحافله وخاطب زينب:
_ إنه ليس من السياره لقد حدث انفجار في احد انابيب النفط.
_ضحكت زينب ضحكه استهزاء وشماته.
فقال مارك غاضباً:
_انه نفطكم وليس نفطنا فلماذا ضحكة الشماته هذه؟!
قالت زينب بحنق:
_ولو العين لا تعلا على الحاجب إنه نفطكم الان وإلا ما سبب هذه الحرب الضروس علينا؟
قال مارك وقد نفذ صبره:
_يا إلهي.
ونزل من السياره متجهاً لموقع الحادث وقد حمل برقيته معه ليتصل بالقاعده وسرعان ما امتلأ المكان بلأمريكان والشرطه والأطفائيين وساد الهرج والمرج وزينب تتابع الاحداث من السياره وفي عينيها حزن دفين. خاطبت نفسها:
_ أين كل هؤلاء عندما فَجر بيتنا؟ , عندما قضت عائلتي نحبها؟ أين كانوا لإنقاذي وإنقاذهم؟ , إنهم يحمون النفط فقط بينما نحن بين أنياب الذئاب والبلاد تهوي لجهنم.
انشغل مارك مع الجنود بإخماد الحريق وأخذ أقواله بما أنه اول من شاهد الانفجار فأخذ يروي ما شاهده:
_ كنت في طريقي الى كربلاء مكلف بمهمة هناك في حين وقع هذا الانفجار فأبعدت سيارتي و......
ولكن قطع حديثه صوت جنديين أمريكيين يقتربان نحوهم وهم يسوقون زينب وهي تصرخ بهم:
_أتركوني أيها الاوغاد..أتركوني.
ثم قال أحدهم:
_سيدي لقد وجدنا هذه العراقيه تتجول بالقرب من موقع الحادث ورأينا أنها....
ولكن مارك قطع حديثه شاهراً سلاحه في وجههما:
_ دعها وإلا فجرت رأسك.
استغرب الجميع من تصرفه وابتعد الجنديين الذين يقتادان زينب قائلان بخوف:
_ على رسلك يا رجل ماذا فعنا؟!
تحرك مارك ووقف أمام زينب وكأنه يحاول حمايتها وأنزل سلاحه مخاطبا الجنود:
_ لقد اوكلت بمهمة إيصال هذه الفتاة الى كربلاء سالمة وهي كانت معي عندما حدث الانفجار ... سكت هنيهه وأردف:
_أظن أنكم انتهيتم من استجوابي الان. أنا راحل.
واللتفت الى زينب المذعورة قائلاً:
_ هيا بنا.
وتوجه الاثنان نحو مركبتهما وسط ذهول الجميع.
أدار مارك محرك السياره وقبل أن ينطلق استدار نحو زينب فوجدها ترتعد فسألها بشفقه:
_ هل أنت بخير؟
أجابت:
_نعم, لا بأس.
وظل ينظر اليها قليلا بشفقه ثم استدار لينطلق بالسيارة فقالت زينب مستدركه:
_إسمع.
فأدار بوجهه نحوها:
_نعم؟
سكتت قليلاً ثم قالت:
_شكراً.
ابتسم وكأنه يحاول ان يكسب ثقتها:
_ لا شكر على واجب,, من واجبي أن أحميكِ حتى أسلمك لجدك , ولكن ألم أقل لكِ أن تلزمي مكانك حتى أعود؟ لماذا خرجت من السياره؟
سبق جوابها دمعه دمعة خطت طريقها على خدها:
_ لاح لي طيف أمي تمشي من بعيد فخرجت مسرعةً أحاول اللحاق بها ولكنني فوجئت بالجنديين يمسكان بي وعندما استدرت_وانفجرت باكيه_ لم أرها... اختفت... لم تعد هناك فحسب.
وأكملت بكاءها. ومارك يحدث نفسه قائلاً:
_ يا إلهي لا بد وأنها جَنت!!

السيارة تشق طريقها نحو كربلاء ولكن سائقها قد أدركه التعب فسرعان ما أوقف سيارته فسألته زينب:
_ لماذا توقفت؟
أجاب:
_أريد أن أرتاح قليلاً ثم آكل شيئاً وأنام قليلاً.
وترجل من السيارة وأخذ يبحث في صندوق السيارة عن طعام يأكله. فترجلت هي الاخرى تستنشق الهواء. جلست على الرمل ولمت رجليها بذراعيها وكأنها تحتضن شيئاً وهي سارحة شاردة الذهن ومارك يتطاوف أمامها جيئةً وذهاباً يهييء المكان لتناول الطعام وهي لا تشعر بوجوده أبداً. وعندما انتهى جلس أمامها ومد يده ليأكل فانتبه لها وهي شارده الذهن فناداها:
_هيه, فيم تفكرين؟
فانتبهت واعتدلت في جلستها ثم قالت:
_أتعلم.. ذلك الانفجار أعادني للتفكير في شيء طالما فكرت فيه.
قال متلفهاً لأنها لأول مره تتحاوب معه:
_ ماهو؟
قالت بأسى:
_فكرت في حال الشعوب الاسلاميه ومآسيها فأوجعني تشتت أمرها وقلت حيلتها وآلمني تأزم ظروفها وكثرة جراحها,, وضعها لا يدعو للقلق فقط,, وإنما يدعو الى اليأس والعجز, ولكن أتدري ماذا؟
قال:
_ماذا؟
زينب:
_ إن من أوصلنا الى هذا النفق المظلم والوضع المزري هم حكامنا العرب بسبب سياستهم وعمالتهم. فكم من الويلات جروها على الامة المسكينه؟ وكم من المصائب كانوا هم سببها؟ ألا يكفي أعداءنا المتربصين بنا الذين يتحينون الفرص لينقضوا علينا؟
وتنهدت طويلاً , فقال لها مارك:
_ ألن تأكلي؟
فقالت وهي عابسه:
_ لا , لست أشعر بالجوع.
ثم قامت وصعدت السياره. فقال مارك محدثاً نفسه:
_ وأنا من الذي أوصلني الى هذا النفق المظلم؟
وشرع يأكل.

الجـــــزء الرابـــــــع:

إلــى كــربـــلاء:

. و عندما انتهى من الاكل فتح الباب الخلفي للسيارة حيث تجلس زينب وقال بلهجة تشوبها الخجل:
_ هل يمكنك ان تجلسي في المقد الامامي؟ أريد أن أنام.
زينب:
_ لا بأس.
وتبادل الطرفان أماكنهما وغط مارك في نومٍ عميق, أما زينب فأمعنت النظر في النجوم الساطعة في السماء الغارقة في بحر من الظلام... لا يوجد كهرباء وهناك أزمة في الماء, وأخذت تفكر .. وتفكر مطولاً بما آلت إليه الامور,, إنها الان مشردة وبلا عائلة في وقتٍ كشرت فيه الذئاب عن أنيابها وخرجت الوحوش فيه من أوكارها ... لا,, يجب أن تصمد في وجه الطوفان, ثم قالت بصوتٍ مسموع:
_ يجب أن أصبر وأفوض أمري الى الله وأتخذ القرآن سلاحاً ألجأ إليه.
وأردفت وكأنها تذكرت شيئاً:
_نعم.. القرآن
ومدت يدها في جيبها تبحث عنه وعندما أخرجته مرت الاحداث امام عينيها وكأنها تنظر لشريطٍ مصور:
" القصف يشتد عنفاً والخوف بادٍ على وجه زينب لاحظته أمها فأخرجت قرآناً صغيراً ووضعته في جيب زينب وقالت:
_تمسكي به يا ابنتي وان شاء الله لن يمسّكِ سوء."
نعم..القرآن هو من أنقذها من موتٍ محتم.
انتبهت من أحلامها ووجدت علامة في القرآن ففتحته عليها و اذا بعينيها تقعان على الآيات التي تقول:
{ ولنبلونكم بشيء من الخوف ونقص الاموال والأنفس وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبةَ قالوا إنا لله وإنا إليه لراجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم وحمة وأولئك هم المهتدون}
وتمتمت زينب بعدها:
_ نعم , إنا لله وإنا إليه لراجعون وأفوض أمري الى الله إن الله بصيرَ بالعباد.
فاستيقظ مارك على صوت زينب تحدث نفسها فقال:
_من تحدثين؟؟
قالت وقد أجفلها مارك:
_بسم الله الرحمن الرحيم,, أهذا أنت , لقد أفزعتني.
نظر إليها مستغرباً يريد إجابة لسؤاله فقط فقالت:
_ لا تخف كنت أحدث نفسي.
قال وهو ينظر لساعته:
_يجب أن أنطلق قبل أن يطلع الصبح.
ورجع كلٍ الى مكانه وأكمل مارك طريقه الى المكان المنشود. وبعد مسيرةٍ قصيرة قال مارك:
_ لقد اقتربنا من كربلاء... لم يبق الا القليل.
زينب:
_ بالمناسبة كيف تدل الطريق الى كربلاء؟
مارك مبتسماً:
_ لدي خريطة توضح لي المدن التي يجب أن أعبرها لأصل الى كربلاء وليس عليّ سوى أن أتبع الاشارات.
سكت هنيهه ثم أردف:
_الشمس تكاد تشرق إذاً ربما سنصل عند الضحى.
قالت زينب:
إذاً توقف لأصلي الصبح.
امتثل مارك لطلب زينب وأوقف السياره. ترجلت زينب وتوضأت,, ولت وجهها شطر بقعةٍ من أطيب أصقاع الأرض وحلقت روحها هائمةً في عالمٍ بعيد عن عالم الدنيا المليء بالغدر والخيانه حيث كلٍ يجري وراء مطامعه,, الى عالمٍ حيث العدل والأمن والسلام.
إنتهت من صلاتها..رفعت يدها الى السماء مناشدةً باريها,, قالت بصوتٍ شجيّ:
_اللهم منزل الكتاب وهازم الأحزاب انصر عبادك المجاهدين في العراق وفي كل مكان.. اللهم عليك بعبادك الأمريكان المجرمين.. لا ترفع لهم راية واجعلهم لمن خلفهم آية..اللهم مزقهم شر ممزق وأهلكهم كما أهلكت القوم الظالمين المجرمين.
ومارك يسمع دعاءها فاستشاط غضباً وخاطبها بلجهة المعاتب:
_ لماذا تدعين علينا ونحن أصدقائكم الذين جاءوا.......
قاطعته زينب قائلةً بحده:
_الصديق الذي جاء لسفك الدماء وقتل الابرياء.
قال وقد نفذ صبره:
_اوووه , أنتي لا تفهميني,, ولن تفهميني أبداً... هل إنتهيت من صلاتك؟
زينب:
_نعم
مارك:
_إذاً هيا بنا.
أشعل مارك محرك السيارة وقال وهو غاضب:
_على الاقل تخلصتم من ظلم حاكمكم.
قالت بهدوء:
_صحيح ان الدكتاتور قد رحل لكن العراق قد تحول الى دولة الخوف والفوضى وانعدام الامن والاختطافات وتصفيه الحسابات.
فآثر مارك الصمت وهو لا يزال غاضباً , وهي الاخرى رحلت تفكر بصمت.

أخذت أشعه الشمس تتسلل بخيوطها الذهبيه شيئاً فشيئاً, تشق طريقها في السماء المظلمة لتبدد الظلام وتنشر النور والدفء على أرضٍ في هذا الوقت في أمس الحاجة الى الدفء والأمان. ووجه خط الحزن طريقه على قسماته يراقب طلوع الشمس بعينيين ترنوان بحزنٍ نحو الشمس.
بعد ساعات....
بدد الصمت صوت زينب وهي تسأل:
_كم بقي لنصل الى كربلاء؟
أجابها:
_امممم.....ليس كثيراً,مسيرة ثلاث ساعات تقريباً.
تنهدت طويلاً ثم أرجعت بنظرها الى الشمس.
مارك:
_لا تخافي لم يبقَ الا القليل لملاقاة جدك.
لم تنبس ببنت شفه بل أكملت تأملها في خيوط الشمس الذهبيه وهي تشق طريقها بين الغيوم.
مضت الثلاث ساعات وكأنها ثلاث عقود, ها قد وصلت ساعه الصفر,, لاحت من بعيد لافتة كتب عليها اسم انتظرت زينب للوصول إليه ثلاثة أيام,,اسم يتمنى جميع الموالين لرؤيته,, إنه (كربلاء).

الجــــــزء الخــــــامـــس:

تسارعت دقات قلب زينب الصغير,,أخذ ينبض بسرعه وبقوه وكأنه يهلل لوصوله إلى هذه البقعه المقدسة. لقد انتظرت زينب طويلاً, وطويلاً جداً لتصل إلى هنا,,ربما ليس طويلاً في حساب الزمن ولكنه كالدهر في حساب قلبها المجروح.
ها قد وصلوا إلى كربلاء وتعدوا حدودها وحواجز التفتيش بكل سهولة (طبعاً لكون مارك جندياً أمريكياً). ارتفع صوت الاذان,, وأوقف مارك سيارته وترجل منها. أخذ ينظر إلى جموع الناس وهي تتوجه إلى ذلك البناء الغريب فخاطب زينب متسائلاً:
_إلى أين يذهب كل هؤلاء؟
اجابت:
_إنه وقت الصلاة وهم يتجهون نحو المسجد وهو مثل الكنيسة لديكم.
قال:
_اها...إذاً لا بد أن جدكِ ذهب الى المسجد أيضاً.
قالت:
_أنا أعرف أين جدي.
وترجلت هي الاخرى من السيارة واتجهت بخطواةٍ ثابتة نحو المسجد الذي تتجه له جموع الناس..قلبها ينبض بسرعه وعيناها امتلأتا بالدموع ... ومارك يمشي خلفها وهو الاخر متلهفاً لملاقاة جدها. وصلت عند البوابة الكبيرة فالتفتت الى مارك وقالت له:
_لا يمكنك رؤية جدي وأنت تحمل السلاح.
وقف ينظر لها متسمراً وقال:
_ولكن...
قاطعته:
_يمكنك أن تتركه مع ذلك الجندي الواقف هناك,, لا تخف لا يستطيع أحد أن يمسّك بسوء وأنت بالداخل وفي ضيافة جدي.
سكت قليلاً يفكر ثم توجه الى ذلك الجندي وأعطاه سلاحه.
دخل الاثنان الى المسجد فاستوقف مارك رجلاً ولكن زينب أشارت بيدها للرجل وقالت:
_ لا بأس إنه معي.
فتركه. دخل مارك ذلك البناء الغريب بالنسبه له. رأى أمامه ساحةً كبيرة جداً تعج بالناس وفي نهايتها مبنىً يبدو قديماً ولكن الوقار والعظمة تحفه من كل جانب بث في قلبه قليلاً من الرعب الممزوج بالهيبة,,, سرح مطولاً وهو يتأمل ذلك البناء ويمشي خلف زينب من غير أن يشعر بمن حوله بالرغم من ازدحام الناس فيه,,, فهو لا يحس بأحد فقد ذهله هذا المسجد الذي بالنسبة له بناءاً غريباً ليس إلا.
استيقظ فجأة من شروده عندما وصل الى نهاية الساحة حيث يقبع ذلك البناء المهيب. نادته زينب:
_يجب أن تخلع حذاءك الآن وإلا لن تستطيع الدخول.
مارك وأمارات الدهشة إرتسمت على وجهه الجميل:
_ولماذا؟؟
قالت:
_لأنه جدي!
زادت أمارات الدهشة والتعجب على وجهه , فقد بدى محتاراً متعجباً فخاطب زينب:
_قولي لي من هو جدك بحق السماء؟!! من هو جدك الذي يقبع في هذا المكان الغريب ويقصده كل هؤلاء الناس؟!!! هل هو سلطان؟!
قالت:
_بل إنه فوق كل السلاطين.
قال متحيراً:
_إذاً من هو جدك؟!!
قالت له:
_إذا أردت أن تعرف فاخلع حذاءك وادخل لكي تراه,,, فالحقيقه تكمن هنا,,, بداخل هذا البناء.
وأشارت الى البناء القابع أمامهما.
تريث مارك قليلاً ثم ما لبث أن خلع حذائه ليدخل بعد ان قتله الفضول ليعرف ما بداخل هذا البناء,, وليلاقي جد زينب.
خلع حذائه وتوجه الى تلك العتبات ليرتقيها...ولكنه فوجيء بزينب تهوي جاثيةً على ركبتيها وتقبل تلك الأعتاب!!
دهش منها كثيراً ولكنه لم يشأ التعقيب على ذلك بل اكتفى بالتحدث مع نفسه قائلاً:
_ماذا تفعل هذه الفتاة!! هل جنت؟!!
ارتقوا تلك العتبات وإذا ببابٍ ضخم قد تجمع حوله العشرات يقبلونه مما زاد من حيرة مارك وحدث نفسه:
_ما بال هؤلاء القوم!! انهم غريبوا الأطوار!! أيقبلون باباً؟؟!!
اجتازوا هذا الباب واذ بمكانٍ كأنه روضة من رياض الجنة,,يلفه الوقار والصمت المقبع والأضواء الذهبية تزيده هيبةً وفي وسطه صرحُ شامخ يتوسط هذه الروضه كالجبل.
والأعجب من ذلك أنه مصنوع من ذهب!! وقد إزدحم الناس حوله,, منهم من يبكي بحرقه,, ومنهم من يقبل شباكه. كل هذه المناظر بثت الرعب في قلب مارك,,, يبدو وكأنه قد دخل على سلطان أو ملك من ملوك الأساطير!!
دارت في ذهنه أسئلةٌ كثيرة يود طرحها على زينب. فبدأت الأسئلةَ تندفع من فمه كالسيل متسارعةً , يود أن يعرف الإجابة عليها:
_ما هذا المكان؟؟ ماذا يفعل كل هؤلاء الناس؟؟ ولماذا يبكون؟؟ أين جدك؟؟ الخ.....

الـــجــــزء الـــســـادس والأخـــــيـر:

نـــهــــايــــة الـــبــــدايـــــة

ولكن زينب لم تنبس ببنت شفه,, بل اندفعت نحو ذلك الصرح تقبله وتجهش بالبكاء وكأنها أصيبت بحاله هستيرية وهي تحاكي ذلك الصرح متعلقةً بشباكه:
_جدي,,جدي أريت ما صنعوه بي يا جدي؟ لقد قتلوا عائلتي وشردوني. لقد هدموا منزلي يا جدي.
((وأجهشت بالبكاء مرة أخرى حتى ارتفع صوت نحيبها فعلا المكان)) وأردفت:
_جدي..من لي غيرك الآن؟ أنا اسمي زينب...انه اسم عمتي زينب التي خلفتها وخلفت معها أطفالك اليتامى في كربلاء ورحلت. ولكن...أنا...ألست ابنتك؟ لمتن ستعهد بي؟؟ لقد أيتموني (وزاد بكاؤها).
كانت في حالة يرثى لها.. بكت فأبكت من حولها,,, حتى مارك تساقطت دموعه حزناً عليها بالرغم من أنه لا يعلم من تكلم.
قالت زينب مخاطبةً ذلك الصرح بصوتٍ شجي مليء بالأحزان:
_ضمني جداه عندك في هذا الضريح...علني يا جد من بلوى زماني استريح.
وارتفع صوتها بالبكاء,,, وفجأة اذ بصوت بكائها يخفت..وهدأت وكأنها تنصت لصوتٍ يحدثها!!!
ثم تبسمت وقبلت شباك الضريح وولت بوجهها شطر المسجد الحرام وبدأت بالصلاة.
فتعجب مارك من تصرفها وخاطب نفسه:
_يا إلهي ما هذه الفتاة؟!! ماذا أصابها؟!!أشك بأنها مجنونة! تراةً تبكي وأخرى تتبسم؟ وما هذا المكان؟ وما قصة جدها؟ يا إلهي سينفجر رأسي! لا بد أن أعرف سرها الغامض.
وبالصدفة وقعت عيناه على رجلٍ عليه سيماء الوقار يقرأ القرآن,,, فساقته رجلاه نحو الرجل دون تفكير. اقترب منه وقد ارتسم على وجهه ألف سؤال فبادره الرجل بالحديث قبل أن ينبس ببنت شفه:
_لابد وأنك تتساءل عن هذا المكان وعن قصة هذا الصرح القائم أمامك.
أجابه بلهفه:
_نعم,, أخبرني أرجوك فأنا أكاد أجن!
الرجل:
_ولكنها قصة طويلة.
مارك:
_وأنا مستعد لسماعها.
الرجل:
_كما تريد يا بني: هنا في كربلاء... وقبل 1363 عاماً حدثت قصة... قصة جراح توزعت فصولها على 73 أسطورة متكاملة كأروع حكاية ألم يحكيها الزمن.
وأخذ الرجل يسرد حكاية مجزرة كربلاء على مسامع مارك,, ومارك ينصت لها باهتمام شديد حتى نسي أمر زينب التي كانت منهمكة في صلاتها.
وبعد أن أكمل الرجل حديثه,, قال مارك وقد فهم كل شيء والدموع تتناثر من عينيه:
_ لقد فهمت...إنه جدها, تلك المرأة كانت زينب, و..و..و..
إلتفت خلفه وكأنه قد استيقظ من حلمٍ مزعج وصرخ:
_ أين زينب؟؟!!
وخرج راكضاً يبحث عنها.
بحث وبحث وبحث, ولكن لم يجدها! أين اختفت؟ حذاؤها لا يزال هنا!
وبعد أن يأس من البحث عنها, عاد الى الضريح حيث كان الرجل. وما لبث أن رفع رأسه واذ بزينب قادمة نحوه فصرخ بها غاضباً:
_ أين ذهبت؟ لقد فتشت المكان بأسره ولم أجدكِ؟
قالت:
_ لم أذهب الى أي مكان,, كنت مع جدي وحسب.
قال وقد نفذ صبره:
_بحق الله عليكِ إنه ميّت!
فصرخت به:
_لا.. لم يمت بعد! لو أنه مات لمات الاسلام معه,, ولو انه مات لما وجدت هذا المكان ولما وجدت هذا الجمع الغفير من المصلين.
قال صارخاً والحيرة تعتصر دماغه:
_أولم يقتل؟؟
قالت بهدوء:
_نعم..أنه ولد وقتل وولد مرةً أخرى بعد قتله وولدت معه الحرية التي قبروها سنين طوال.
لقد علمنا معنى أن نعيش أحراراً...كان صرخةً في وجه الظلم...قال لا في وقت اغتال الظالم فيه هذه الكلمه. وهذا ما سنفعله بكم... أكاد أسمع العراق يذخر بالرعود ويخزن البروق في السهول لتعصف بكم حتى وان افنيتمونا.
وقف مارك مذهولاً من كلام زينب...أراد أن يقول شيئاً...أن يرد على كلامها, ولكن لسانه عجز عن التعبير! صَمتَ كثيراً..وكأنه يفكر مطولاً..ثم تناول هاتفه وأجرى مكالمه هاتفيه:
_ألوو..القيادة..هذا أنا مارك..نعم نعم لقد وصلت كربلاء..سيدي (وصمت قليلاً) لن أعود..لقد سمعتني لن أعود سأظل هنا في كربلاء...لا يهمني إن شئت سرحني من الخدمة العسكرية لن أعود إنه قراري النهائي...لا يهمني افعل ما انت فاعله..الى اللقاء.
وأغلق الهاتف ورفع رأسه ناظراص لزينب التي بادلته النظرات عينها.
قال مارك محطماً جدار الصمت:
_والآن ما أنت فاعله؟
أجابت:
_لا شيء.
قال متعجباً:
_لا شيء؟!
قالت:
_نعم..لا شيء.
قال مستغرباً:
_أين ستذهبين؟
قالت مستدركة:
_لن أذهب الى أي مكان.
أكمل:
_أين ستعيشين؟
قالت:
_لن أعيش.
قال متعجباً:
_ما هذا الهراء الذي تتفوهين به!
(لم تجب عليه)
فقال:
_سوف أبحث عن سكنٍ لنا وسنعيش معاً وسوف تخبريني بكل شيء وتعلميني كل شيء.
(سكت قليلاً ثم أردف):
_أنتِ من سترشدني ضالتي.
ابتسمت ابتسامه ساخرة وكأنها تعلم ما لا يعلمه هو,, او ما غاب عن باله.
ذهب فذهبت خلفه,, وما أن خرجا من المسجد حتى تعالت أصوات الطلقات النارية وتراكض الناس يميناً وشمالاً وأخذوا يتدافعون فضاعت زينب من مارك وسط الزحام فأخذ يبحث عنها وهو يصرخ بإسمها وهي واقفه في مكانها... لم تستطع الحركة...خائفة...تبحث عن مارك بعينيها حتى رأته فركضت مندفعةً نحوه...ولكن لم تكن هي الوحيدة التي انطلقت تشق طريقها نحو ضالتها,,, ففي الجهة المقابله انطلقت رصاصه تجري في الهواء بلهفه اشتياقاً لصدرها.
وما زالت زينب تجري...والرصاصة تجري إليها...حتى وصلتا الى نقطة الصفر...النقطة التي لامست فيها الرصاصة صدر زينب...فمزقته.
في تلك اللحظة وكأن الناس قد تجمدت من حول زينب...واختفت تلك الأصوات التي علت المكان منذ برهه...ولم يعد يُسمع سوى صوت قلب زينب وهو ينبض بشدة...وأنفاسها التي تسارعت.
هرع مارك إليها وأمسكها متداركاً وقوعها...جلس بها على الارض واضعاً رأسها في حجره...نظرت في عيناه فرأت الخوف والتوتر...رفع هاتفه وضغط على الارقام بحده محاولاً طلب النجده.
قالت زينب بصوتٍ يكاد ينقطع:
_لا جدوى من ذلك.
ولكنه طلب النجدة غير آبهٍ لكلامها.
ابتسمت وهي تنظر للسماء وقد شع منها نور ساطع ثم أردفت:
_إني أراه...نعم إني أراه..إنه جدي..إنها أمي..أبي..إنهم يدعوني إليهم.
تسارعت أنفاس مارك مع تسارع أنفاسها ثم قال:
_لا.. لن تذهبي لأي مكان.
نادته:
_مارك.
قال بحزنٍ بالغ:
_نعم.
فقالت:
_ضالتك أمامك ليس عليك سوى أن تسعى إليها.
هز رأسه موافقاً وهو يبكي.
همست مبتسمة:
_وداعاً.
ثم أغمضت عينيها.
أمسك مارك كتفيها بقوة وصرخ رافعاً رأسه نحو السماء:
_لاااااااااااااااااه.

اختفى الناس من حولهم
...لم يبق سوى مارك الباكي وجسد زينب ملقىً في حجره...والحزن والألم يلف المكان.

zizo0o0
05-13-2007, 02:37 PM
مشكووووووووووووور عالابداع يابطل

تقبل مروري

haitham
09-19-2007, 11:52 PM
مشكووووووووووووووور
ويعطيكيييك العافية
موضوع جدا جدا حلووووووووووووووووووووووووووووووو